محمد بن وليد الطرطوشي
188
سراج الملوك
الباب التاسع عشر في خصال جامعة لأمر السلطان قالوا : ظفر الملك بعدوّه على حسب عدله في رعيّته ، ونكوبه « 1 » في حروبه على حسب جوره في عساكره ، وإصلاح الرعية أنفع من كثرة الجنود . وقالوا : تاج الملك عفافه ، وحصنه إنصافه ، وسلاحه كفاءته ، وماله رعيّته . وقالت حكماء الهند : لا ظفر مع بغي ، ولا صحّة مع نهم « 2 » ، ولا بناء مع كبر « 3 » ، ولا شرف مع سوء أدب ، ولا برّ مع شح ، ولا اجتناب محرم مع حرص ، ولا ولاية حكم مع عدم فقه ، ولا سؤدد مع انتقام « 4 » ، ولا ثبات ملك مع تهاون وجهالة وزارة . ولما ولى أبو بكر رضي الله عنه ، خطب فقال : أيّها الناس : إنّه لا أحد أقوى عندي من المظلوم حتى آخذ له بحقه ، ولا أضعف من الظالم حتى آخذ الحق منه . وقيل للإسكندر : بم نلت ما نلت ؟ قال : باستمالة الأعداء ، والإحسان إلى الأصدقاء . وقال بزرجمهر : سوسوا أحرار الناس بمحض المودة ، والعامّة بالرّغبة والرّهبة ، والسّفلة بالمخافة . وقال الموبذان : السياسة التي بها صلاح الملك : الرفق بالرعية ، وأخذ الحق منهم في غير مشقة ، وسد الفروج « 5 » ، وأمن السّبل ، وأن ينصف المظلوم من الظالم ، ولا يحمل القويّ على الضعيف . وقالوا : الوالي من الرعية كالروح من الجسد ، لا حياة له إلا به ، وبعد الوالي من إصلاح الرّعية مع إفساد نفسه ، كبعد الجسد من البقاء بعد ذهاب الرأس ، والسلطان خليق أن يعوّد نفسه الصبر على من خالف رأيه من ذوى
--> ( 1 ) النكوب : المصائب . ( 2 ) النّهم : الإفراط في إشباع الشهوة ( لسان العرب ، باب : نهم ) . ( 3 ) في ( خ ) ولا ثناء مع كبر ، أي لا مدح مع تكبر وتجبّر . ( 4 ) السؤدد : الشرف والسيادة . ( 5 ) سدد الفروج : أي الثغور والحدود التي يتسلل منها العدو .